Apr 10, 2011

عندما تطبق القوانين

لا يكاد خبر يذاع او يكتب هذه الايام الا وبين طياته عبارات مشابهة لـ "الاوضاع الراهنة في المنطقة العربية" أو "الشارع العربي المتوتر" .. وما الى ذلك. الكثير الكثير من التحليل والقراءة فيما بين السطور وضعت أمامنا الآلاف من الآراء والتحليلات لما يحدث في الدول العربية، وربما أدق التحليلات هي أن هناك شعوب كانت مضغوطة لوقت كاف حتى أتى الوقت المناسب ليحدث الانفجار الذي تولد بفعل الضغط المتراكم منذ عقود. وربما أوجز أحدهم بعبارة شهيرة لخصت حال الثورة التونسية بقوله: هرمنا .. من أجل هذه اللحظة التاريخية. وهي تاريخية بالفعل. أما باقي ما تبقى من الكلام الفارغ حول الأجندات والتدخلات الأجنبية والكابوس العربي الذي تجده يلوح في وجهك عند "حزها ولزها" وهو اسرائيل .. الشعب (ولا أحد غير الشعب) يريد (اسقاط / تغيير / اصلاح) النظام. كل حسب حاجته.

الأردن قد تختلف في أن المطالبات اصلاحية وليست "اسقاطية"، ولكن الأمر في الحالتين هو نفسه، الشعب يريد شيئاً وسيأخذه بقوة العدد وبقوة الشارع - غاندي ستايل. سأجلس مكاني قليلاً لأتحدث عن واقعنا الحالي، ماذا نصلح وكيف وهل نحن جاهزون .. اسئلة كهذه تدور في رأس الغالبية الساحقة من الشعب الأردني، الذي أصبح الكل فيه "بحكي سياسة" هذه الأيام، ولا تسيئوا فهمي، فهذه عادة صحية جداً. 

حاجة الأردن للاصلاح تتلخص في جانبين هما: ايجاد طريقة لايقاف الفساد، واجراء تعديلات دستورية تتيح لجو أكبر من الحريات.

حول التعديلات الدستورية، فان قوانين الحياة الحزبية في الأردن من الأفضل أن تعاد صياغتها، لكن الأهم من ذلك أن يتم القضاء على نظرة المجتمع نحو "الأحزاب" على أنها منظمات ارهابية، وأن لا يكون الشخص "تبع أحزاب" كالكائن الفضائي بثلاثة عيون. ورأينا في الأيام القليلة الماضية مدى قوة ما سمي بـ"التجييش الاعلامي" ضد الاسلاميين مثلاً. شخص أراد أن يفجر نفسه في حزب جبهة العمل الاسلامي (ولو بخشبات التخويف فقط) بسبب أن "الاسلاميين" أثروا على رزقه ومعيشته (زعماً). يمكن هنا أن نسأل سؤال، أو عدة اسئلة شبيهة لكن سأكتفي شخصياً بواحد، لم أسمع بأن أحداً حاول تفجير نفسه في مبنى أمانة عمان مثلاً لأن أعماله تضررت بسبب الباص "الـ مش كثير سريع" الذي يخلق الأزمة أمام محل الأزهار أو الـ "قهوة" التي يمتلكها على شارع الجامعة!
لولا ارتباط كلمة الأحزاب والحزبي والعمل السياسي بـ نوع من الغصّة في أعماق البطن للمواطن الأردني (وربما بعض الكلمات الأخرى مثل: الدولة، المخابرات .. الخ) لربما رأينا أعداد أكبر بكثير من الناس يشاركون في الحياة الحزبية الأردنية المفترضة.

ويرافق قانون الأحزاب فانون الأنتخاب. المشكلة التي توضع أمام التعديل على قانون الانتخابات هي أن منتسبي الأحزاب عدد قليل من الأردنيين لذلك من الطبيعي أن يكون عدد المرشحين المستقلين واللذين ينجحون على أسس عشائرية أكبر من عدد الحزبيين. هذه حجة من يقف أمام تعديلات جذرية في قانون الانتخاب (بالاضافة الى الحكومة المنتخبة) لكنه من الخطأ تماماً أن لا نأخذ بعين الاعتبار أسباب هذا العدد الكبير من المستقلين اللذين لا يملكون نظرة سياسية وربما الكثير منهم يعتبر السياسة "وجعة راس". كيف يحصد هؤلاء عدد كافي من أصوات الناخبين للنجاح؟ أنه أمر بسيط، من خلال علاقاته الاجتماعية العشائرية والتي تتلخص في عدد اللذين تم "توظيفهم" على يده وعدد اللذين حصلوا على "مقاعد" جامعية على يده. بالمختصر فان أقوى المرشحين دائماً ما يكون أكثر "مساعدة" لاقربائه. بعبارة أخرى أنجح مرشحي النيابة هم من يمتلكون أقوى الواسطات ويفعّلونها. اذا كنا نتكلم عن اصلاح حقيقي فان وقف الواسطة والمحسوبية (الفساد) ستجعل الحزبي والمستقل على كفة متساوية يوم الانتخابات، ولنرى من سيتمسك بـ عشائريته وقتها ..

الكثير من الاصلاح يمكن تحقيقه قبل تعديل أي قوانين، من خلال تطبيق القوانين الموجودة أصلاً والتي لا تطبق.

البند الآخر من الاصلاح، ولو أنني أرى الاصلاح كـ package واحد لا يتم تجزئته لأن كلها مكملة لبعضها فكيف تحيي الحياة الحزبية دون قانون انتخابات وكيف تستفيد من قانون الانتخابات بوجود الواسطة والتي تسبب التصويت النيابي بطريقة عشائرية كنوع من رد المعروف لمن "وظف" أخوك أو ابن عمك وهكذا. البند الثاني هو مكافحة الفساد. وهذه عبارة من السهولة أن نطلقها ونطالب بها، لكن من الصعب قليلاً تطبيقها. نعرف كلنا أنها موجودة، ولو أخذنا احصائية لنرى كم وزير أو أمين عام أو مدير هيئة أو موظف حكومي كبير يعيش "على قد راتبه" لوجدنا أرقام تشير الى ما هو غير ذلك. مبدأ الفساد متجذر في ثقافتنا وفي لغتنا وهو مرتبط بالموظف الحكومي، عندما يأتي أحدهم الى العمل متأخراً يقال أن دوامه "دوام وزراء"، وربما من وراء هذه المقولة حكمة لا ندركها.

الآن الى كيفية المعالجة. ولكوني لست سياسي ولم أدرس السياسة أو القانون فانني تعلمت من خلال المشاهدة والملاحظة، وربما أمتع هواياتي التجارب الاجتماعية. في عام 2005 كانت أول مرة أحتاج فيها لمراجعة الكثير من الدوائر الحكومية، لأنها السنة التي كنت أتقدم فيها للجامعات للدراسة، وهذه عملية تحتاج تجديد الهوية وجواز السفر، ختم الشهادات وتصديقها، وعمليات كثير أخرى تتعلق كلها بمراجعة دوائر حكومية. كانت مشاهدتي قبل ذلك تشير الى أن الدوائر الحكومية كخلية النحل، وشباك الموظف كالزهرة .. والباقي عندكم. كما أنني كنت أستغرب موضوع التدخين في الأماكن العامة وخاصة المغلقة كالدوائر الحكومية. لكنني اكتشفت أن الحكومة في تلك الفترة كانت قد بدأت بتطبيق قانون منع التدخين في الأماكن العامة والدوائر والمؤسسات وكذلك اتخذت اجراءات جيدة لتنظيم الأمور لكي تبدو المؤسسات حضارية أكثر. كانت هناك الكثير من المشاهدات التي كانت تعكر صفو المنظر، فأحد الشبان يدخل الدور من حاجز الخروج ليستبق دوره، والعجوز في الزاوية ينتظر ابنه لا يقنعه سبب على وجه الأرض باطفاء سيجارته، والفتاة التي تحجز لصديقاتها الثلاث الدور لأنهن تأخرن لسبب ما. كل هذه كانت مشاهدات عادية، لكنها كانت تقل شيئاً فشيئاً لأن القوانين بدأت تطبق. وهذا الشاب يوبخ ولا يستقبله الموظف الا وهو منتظم في الدور، والعجوز يطلب منه المغادرة أو اطفاء سيجارته والفتاة تقف وحدها أو تنضم لصديقاتها في ذيل الدور. منذ 2005 وحتى الآن خطونا خطوات كثيرة جداً من أجل تنظيم المؤسسات الحكومية ومنع التدخين فيها. ومن كان يرى الحال قبل عشرة سنوات ويراه الآن يدرك أن تغييراً كبيراً قد حدث لعقلية هؤلاء .. انه مذهل حجم التغيير الممكن احداثه فقط من خلال تطبيق القانون.

هذه التجربة يمكن تطبيقها على نطاق أوسع، والعقليات الرافضة لأي شيء قد تتقبله اذا طبقنا القانون بشكل صحيح واذا كنا جادين فيما نريد تحقيقه. والاصلاح ليس اجزاء ترمى الواحدة تلو الأخرى ليتلقفها الشعب، انما قطعة واحدة، كل متكامل يقوّي بعضه البعض ويدعم كل جزء الآخر.

قيل أن المجتمع غير جاهز للديموقراطية، والاصلاح قد يأخذ 30 عاماً .. كما تعلم المجتمع عدم التدخين وهو يجدد هويته، وكما تعلم كيف يقطع "فيشة" لترخيص سيارته من خلال تطبيق القانون .. فانه سيتعلم الديموقراطية يضاً من خلال تطبيق القانون.

جمال بطاينه

No comments:

Post a Comment